ابن يعقوب المغربي
345
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
في نحو قولنا ( لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا ) لأن الإنسانية ليست شرطا في الحيوانية حتى يكون نفيها دليلا أو سببا لنفى الحيوانية ، وإنما يطرد فيه الوجه الثاني من الوجهين السابقين ، وهو بيان اللزوم بين المقدم ، والتالي ليستفاد من نفى التالي نفى المقدم ، وهذا الوجه هو الذي حمل عليه الإمام ابن الحاجب مفاد ( لو ) كما تقدم فقال إن قولهم هي لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط لا يستقيم ؛ لأن الشرط سبب ولا يلزم من نفيه نفى المسبب ؛ لأن الشيء قد يكون له أسباب يستقل كل منها بإفادة ذلك المسبب فلا يلزم من نفى واحد منها نفى ما سواه بخلاف نفى المسبب الذي هو التالي ، فهو يستلزم نفى جميع الأسباب ، وقبل المتأخرون كلامه ، وزادوه بيانا بأن التالي إن كان مسببا فكما قال ، وإلا فهو لازم كما في قولك ( لو كان هذا إنسانا كان حيوانا ) ولا يلزم من نفى الملزوم نفى اللازم ، بل الأمر بالعكس والجواب أن هذا المعنى ، ولو كان مستعملا لغة لكنه قليل باعتبار الآخرين ، وإنما هذا استعمال أهل المعقول جروا عليه كثيرا ؛ لأن غرضهم تركيب الأدلة من القضايا الشرطية اللزومية ، والمناسب في اعتبار الشرط ما ذكر وعلى الاستعمال اللغوي المتقدم وهو كون المراد بالشرطية إفادة معنى الحملية المعللة بعلة لبيان تلك العلة ، وأنها سبب ذلك الحكم المعلوم في الخارج ورد قوله تعالى وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ " 1 " لأن عدم إسماعهم معلوم وبين أن علته نفى علم الخير فيهم ، فكأنه قيل لم يسمعهم اللّه لعدم علم الخير فيهم وقوله تعالى وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ " 2 " استعملت فيه ( لو ) لإفادة معنى آخر قد تستعمل فيه ( لو ) أيضا ، وهو أن هذا الشرط يلزمه الجزاء على تقدير وقوعه لئلا يتوهم أنه إنما يلزم نقيضه فقط ، فالمعنى أنهم متولون عن الإيمان معرضون عنه ، بمعنى أنهم موصوفون بدوامهم على كفرهم إن لم يسمعوا ، وكذا لو سمعوا كما يقال ( لو لم يخف فلان اللّه تعالى لم يعصه ) بمعنى أنه لو انتفى الخوف لما عصى للمحبة كما أنه من باب أحرى لا يعصيه عند نقيضه وهو الخوف ، وعلى هذا لا يرد أن يقال إن هنا قضيتين شرطيتين
--> ( 1 ) الأنفال : 23 . ( 2 ) الأنفال : 23 .